أشتري ما تحتاجه فقط

أنا أساوي ما أستهلك

في كتابة Liquid Life وصف عالم النفس “زجمونت بومان” روح العصر بشكل جيد حينما كتب عن حاجتنا للاستهلاك ليس خبرًا جديدًا”. ولكنه يحذر بأن المشكلة- والتي تعد على الأرجح أحد أكبر التغييرات التي شهدناها في المائة سنة الأخيرة- هي مجتمع” يرى أفراده في لأساس- أو حتى حصريًّا – كمستهلكين” و “يقيّم أفراده في الغالب وفقًا لقدراتهم الاستهلاكية”.
يرى “بومان” أن ما يحدد هوياتنا الآن هو اختياراتنا الشرائية. وأود أن أضيف أن لغة المبالغات التي نستخدمها عند التحدث عن الاختيارات الشرائية المحتملة تحدد كيف تغيرت أولوياتنا.

 

على سبيل المثال، القليل منا هم من سيستخدمون كلمة “عشق” مع قرميد الجدران، ولكن سمعت مؤخرًا مصممة في مجلة عناية بالمنزل تستخدمها عندما قالت إنها “وقعت في عشق” قرميد حمامات ولابد أن تشتريه. فنحن عندما نستخدم تعبيرات من قبيل “نمر في حوض حمامك “و “رعب في المنشفة”، فهل من العجيب أن نخترع على مدار الوقت مجموعة متكاملة من المخاوف القائمة على “شياطين” منزلية مختبئة في كل ركن والتي تتطلب إيجاد حل لها؟


جيل المعلومات- “الطيب والشرس والقبيح”

الأمور على وشك أن تزداد صعوبة بالنسبة لنا. إن علماء الأعصاب في جامعة لوس أنجلوس بكاليفورنيا على وشك الانتهاء من خريطة للمخ البشرى. وتعرف هذه العملية باسم الخريطة العصبية، وجزء من هذا البحث هو البدء في الكشف عن السبب الذي يجعل الجهاز الحوفي- والمسئول عن المشاعر- يهيمن على الجانب العقلاني عندما نكون بصدد اتخاذ قرارات. ومما لا شك فيه أن الاقتصاد سيحقق فوائد كبرى من هذه الصورة العصبية، حيث ستستطيع الشركات تقييم ما يجعلنا نختار شراء سيارة بعينها أو اتخاذ قرار بشأن ما سنتناول على العشاء- وهي التقييمات التي تعد ذات قيمة فقط في تلك الأماكن من العالم التي يستطيع سكانها توفير المال اللازم لشراء سيارة أو امتلاك خيار بشأن ما سيتناوله. وتلك الاختيارات هي بالتحديد التي ستكون بمثابة الأحجية بالنسبة لنا. فيبدو أن- على الأقل فيما يتعلق بالمستهلك المتوسط- التقدم يرتدى قبعتين. واحدة يمكن تسميتها “قيمة عظيمة” وأخرى تسمى “إيذاء”. وهذه المتقدمات التكنولوجية ستساعدنا على فهم عقولنا، ولكنها ستسمح للآخرين بفعل نفس الشيء كذلك.


إن رسم خريطة المخ الإنساني ستساعدنا على فهم العديد من موضوعات الصحة الذهنية المهمة، ولكن المثير أننا كلما عرفنا المزيد عن الصحة الذهنية المهمة، ولكن المثير أننا كلما عرفنا المزيد عن الصحة الذهنية. زاد عدد من يعانون من مشكلات بالصحة الذهنية. ربما نعمد إلى ابتكار تكنولوجيا تساعدنا على فهم سلوكياتنا، ولكننا نستخدمها بطريقة تجعل لها أثرًا عكسيًّا. والمؤسسات الطبية سعيدة بهذا التطور ولابد لها من هذا. ولكن صنعة الإعلام سعيدة به كذلك،حيث إنها تتنبأ بوقت ستستطيع فيه توجيه الإعلانات لأجزاء بعينها من المخ تميل لاتخاذ قرارات أكثر عاطفية وأقل عقلانية بشأن الاستهلاك. بل قد نرى أيضًا إعلانات معدة خصيصًا للمجموعات الصغيرة أو حتى الأفراد.


يقال دائمًا إن شبكة الإنترنت( والتي أعتقد أنها أعظم اختراع في عصرنا) وتطورات الكمبيوتر ستتيح لنا الفرصة لمعرفة المزيد عن عالمنا وعن هؤلاء الذين يحكموننا. ولكن ذلك يعني كذلك “أنهم” سيستطيعون مراقبتنا. ولنضرب مثالاً على ذلك- حينما أرسلت لي محررتي إلكترونيًّا تحريرها الأول لكتابي الأخير استخدمت خاصية “تتبع التغييرات” أو “Track Changes”في برنامج ما ميكروسوفت وورد كي أستطيع أن أرى بوضوح ما قامت بتغييره وما قامت بحذفه وما إلى ذلك. ولكن كان بمقدوري كذلك أن أرى في أي يوم بالتحديد وفي أي وقت أجرت كل تغيير. ولو أردت ذلك، لاكتشفت متى أخذت استراحة لمدة ساعة، ولو ضعت تخمينات بشأن ماذا كانت تفعل حينما كانت تترك عملية التحرير لمدة 20 دقيقة. وخطر لي أنه في المستقبل القريب سوف أستطيع معرفة ما تفعله في وقت فراغها بالتحديد دون اللجوء لوضع فرضيات.


فمع لجوئنا للإنترنت للقيام بالكثير من أعمالنا الشخصية وللاستكشاف، ومع مراقبة الكثير من مثل هذه العمليات الآن، سرعان ما ستنهمر علينا إعلانات معدة خصيصًا لنا ومكالمات لنستهلك بمعدلات أكثر من أية معدلات حالية. فقد بدأنا فقط لتونا. وسيبدو هذا طبيعيًّا بالنسبة للجيل التالي. أما بالنسبة لهذا لجيل فإن ذلك يبدو مرعبًا.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد