رشّد من استهلاكك

الاستهلاك: لماذا أحتاج إلى كل هذه الأشياء؟
كلما تناولت مزيدًا من الطعام، شعرت بمزيد من الخواء.
إن المجتمعات الحديثة ليست “مريضة”، كما يصفها بعض نذيري الشؤم. ولكن من الواضح أن أحد الأسباب الرئيسية للقلق الذي لا أساس له هو أننا نختار ملء الفجوات الوجودية في حياتنا بأشياء تضيف قيمة أو معني لا يذكر أن لها و سوف نناقش واحدة من هذه الأشياء التي نملأ بها الخواء في حياتنا- الحاجة للاستهلاك. قليل منا هم من سينكرون أننا نفرط في الاستهلاك. فحياتنا مليئة بالأشياء- بعضها ضروري، وبعضها ليس ضروريًّا للغاية.

 

ومن الواضح أنه لو كانت كل هذه الأشياء تجعلنا أسعد أو تضفي مزيدًا من القيمة على حياتنا لكان أصبح للحاجة للاستهلاك بإفراط غرض.


ومع ذلك. فإن القلق الذي نبلى به أنفسنا بحاجتنا للاستهلاك هو في الغالب قلق مُنزل ذاتيًّا بالنفس- لأننا نئن تحت وطأة ضغط كبير في حياتنا اليومية للحصول على المزيد واستهلاكه. في الواقع، وصل الوباء الآن للدرجة التي صار معها الجميع-فيما عدا الأقوياء- ضحية لمشاعر النقص والمنزلة المنخفضة في حالة عدم مسايرتهم للعادات الاستهلاكية لمجتمعات ما بعد الاقتصادية التي ينتمون لها.
سوف نلقى الضوء على أربعة أمثله لنوع المشكلات التي نجابهها. ولحس الحظ، يوجد عدد من الإجراءات الإيجابية المتاحة لنا والتي من شأنها أن تأخذنا إلى اتجاه عقلاني أفضل. وسنعرض لهذه الحلول بعد مناقشة الأربع مشكلات.


“جنون الشراء”

في بداية القرن الحادي والعشرين أصبح معيار الحكم على العديدين منا هو اختياراتهم الشرائية. وليس هذا فقط؛ فالكثيرون منا يحددون هويتهم وفقًا لمثل هذه الاختيارات كذلك. فالرغبة في امتلاك المزيد والعمل أكثر حتى نحصل على مزيد من هذا المزيد أخذا أبعادًا جنونية. وكمثال واضح للطريقة التي حلت بها هذه الرغبة في الامتلاك والاستهلاك محل التفكير العقلاني سأروى عليكم قصة مشاجرة كبيرة اندلعت مؤخرًا في افتتاح فرع من فروع متجر إكيا الشهير الأثاث في إدمنتون، إنجلترا. دلف الحشد الكبير من الناس الذين كانوا ينتظرون افتتاح منتصف الليل لانتهاز فرصة العروض الخاصة داخل المدخل عند دقات الساعة الثانية عشرة (بل إن أحد الأشخاص قطع رحلة لمسافة 200 ميل قادمًا من برمنجهام لشراء أريكة سعرها أربعون دولارًا). في ذلك الحين بدأ الشجار حول من بادر بشراء معروضات معينة أولاً. والشجارات العنيفة بدأت حتى قبل أن يفتح المتجر أبوابه. وبطريقة ما، حوّلت الصحافة- فيما نشرته لاحقًا عن الحادث- هذا إلى قصة حول فشل إكيا في توفير كم كاف من موظفي الأمن بالمدخل- وكأن الحشود المتشاجرة ليست مسئولة عن تصرفاتها. تخيل قدر القلق الذي يشحن به هؤلاء المتسوقون أنفسهم قبل هذا الحدث وشعورهم بالفزع من عدم درتهم على شراء وليمتهم المنشودة. وتخيل المشهد نفسه، والذي يصاحبه ارتفاع في ضغط الدم. وفقدان كامل لحس المنطق، ومخاطرة الإصابة الجسدية. يمكننا أن نتفهم أحداث الشغب التي تحدث عند وصول سيارة نقل طعام محملة بالغذاء إلى أماكن تعاني من المجاعة في أفريقيا. ولكن عندما يحدث هذا في خامس أغني دولة بالعالم؟ طالما تشاجرنا حول الاحتياجات الأساسية(وقد نفعل ذلك مجددًا إن أصبح الماء نادر الوجود)، ولكن التشاجر بشأن احتياجات زائدة يعد جديدًا. ومع ذلك، إن أردنا دليلاً أن غريزة “جنون لشراء” تلك موجودة، علينا العودة إلى أحداث تلك الليلة لنراها متجسدة في أبشع صورها.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد